الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

245

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

« فبلّغ الرسالة » من ربهّ إلى عباده . « صادعا بها » أي : مظهرا بها ، كما أمره ربهّ في قوله : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 1 ) . قال السروي : لمّا قالت قريش : إنهّ ساحر . علمنا أنهّ قد أراهم ما لم يقدروا على مثله ، وقالوا : هذا مجنون . لما هجم منه على شيء لم يفكّر في عاقبته منهم ، وقالوا : هو كاهن . لأنهّ أنبأ بالغائبات ، وقالوا : معلّم . لأنهّ قد أنبأهم بما يكتمونه من أسرارهم ، فثبت صدقه من حيث قصدوا تكذيبه ( 2 ) . « وحمل على المحجّة » أي : الجادّة . « دالا عليها » وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فاَتبَّعِوُهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سبَيِلهِِ . . . ( 3 ) . قال الجزري : لمّا كان من أمر أصحاب الفيل ما ذكرناه عظمت قريش عند العرب ، فقالوا لهم : أهل اللّه وقطنه يحامي عنهم . فاجتمعت قريش بينها ، وقالوا : نحن بنو إبراهيم عليه السّلام وأهل الحرم ، وولاة البيت ، وقاطنوا مكّة فليس لأحد من العرب مثل منزلتنا ، ولا يعرف العرب لأحد مثل ما يعرف لنا ، فهلمّوا فلنتّفق على ائتلاف أنّنا لا نعظّم شيئا من الحلّ كما يعظّم الحرم ، فانّنا إذا فعلنا ذلك استخفّت العرب بنا وبحرمنا . وقالوا : قد عظّمت قريش من الحلّ مثل ما عظّمت من الحرم . فتركوا الوقوف بعرفة ، والإفاضة منها ، وهم يعرفون ويقرّون أنّها من المشاعر والحجّ ودين إبراهيم عليه السّلام ، ويرى سائر العرب أن يقفوا عليها ، وأن يفيضوا منها ، وقالوا : نحن أهل الحرم فلا نعظّم غيره ونحن

--> ( 1 ) الحجر : 94 . ( 2 ) المناقب لابن شهرآشوب 1 : 123 . ( 3 ) الأنعام : 153 .